|
ثالوث الوعي العراقي
رائد الحامد
القسم الأخير
معروف أن الصراع عادة ما يحتاج إلى قواعد فكرية معينة وأسس ثقافية تؤهلـه وتدفع به نحو التفجر، وهو عادة ما يكون بين نقيضين أو بين إرادتين متضادتين، وهذا ما يفتقر إلى علامات دالة على وجود فعلي لها في المجتمع العراقي، وكذلك فان أي صراع يجب أن يكون لـه طرفان، وهذا أيضاً ليس لـه وجود فعلي في واقع المجتمع العراقي، فما لا يختلف عليه أي مكوّن من مكونات الشعب العراقي الفاعلة مع المكون الآخر، هو أنّ هناك مصالح وقواسم مشتركة تلتقي عليها هذه المكونات، أهدافا وغايات وسعيا لتحقيقها وأسلوبا للوصول إليها، سواء كان هذا المكون عربيا أو كرديا، سنيا أو شيعيا، أو بين أي مكون وآخر، هذا هو الواقع ، وهو ما يؤرق إدارة المشروع الصهيوني، وهو أيضاً المحرك الرئيسي لدفع طرف أو آخر باتجاه تجاهل هذه الحقائق، أو العمل بالضد منها ومحاولة تزييفها وترسيخ قناعات رأي أخرى تسير في الاتجاه المعاكس لحركة المجتمع وتطوره تاريخيا بحركة انسيابية سلسة، وهذا لا يعني عدم وجود أي شكل من أشكال الاختلاف في الفهم الفكري ، أو في المصالح عرقية كانت أم مذهبية بين مكونات الشعب العراقي الواحد، وعلى الدوام كان هذا الاختلاف يشكل عنصر قوة لاضعف ، وعنصر وحدة لا فرقة إلى أن برز دور الفاعلين من أقطاب المشروع الشعوبي الصفوي الذين تمكنوا من إدخاله كعنصر جديد في المعادلة السياسية العراقية بعد الاحتلال ، وقد نجحوا في استقطاب اتجاهات سياسية ودينية تعمل في الاتجاه المعادي للمصالح الحيوية للشعب العراقي.
وفي الواقع الراهن، فإن إدارة المشروع الصهيوني والقوى المساندة لها في العراق، وفي طليعتها المرتبطون بالمشروع الشعوبي الصفوي ، تستمر في سعيها إلى خلق حالة من الاقتتال الداخلي الشيعي الشيعي كمرحلة أولى، وهو الأسهل تحقيقاً لوجود خلافات واضحة معلنة أو غير معلنة تدور حول نطاق الدور والنفوذ السياسي والاجتماعي، وتطلعات المرجعيات الدينية الرئيسية وأتباعها، يضاف إلى ذلك خلاف حقيقي غير معلن يتجسد في عدم الاتفاق على ضوابط ترضي كل هذه الأطراف، وتحدد آلية اقتسام الإيرادات الضخمة للمراقد الدينية في بغداد والنجف وكربلاء وسامراء والكوفة وغيرها، وليس سراً القول بأن التحكم في الإيرادات يعني في النهاية زيادة الدور السياسي واتساع مساحة النفوذ الاجتماعي، وزيادة القدرة على الحركة وكسب المزيد من الأتباع، وهو هدف مهم في استمرارية وجود المرجعيات وبقائها.
إن وقوع هذا النوع من الاقتتال، يعني بداية التهيئة لمرحلة لاحقة يتم فيها استدراج بعض الزعامات السنية الدينية منها أو السياسية أو الاجتماعية إلى الدخول في أتونه إلى جانب هذا الطرف الشيعي أو ذاك ضد طرف شيعي آخر، وبذلك يأخذ هذا الاقتتال الطابع المذهبي المطلوب ليكون سنياً شيعياً ، كون الشعب العراقي تحكمه التعددية المذهبية ، إضافة إلى التعددية العرقية عرباً وتركمان وأكرادا، والأكراد كقومية تتسم أيضاً بالتعددية المذهبية، فهناك أكراد شيعة وأكراد سنة يشكلون الأكثرية، وهذا ما يؤهل تطور الاقتتال بوقوف القوى الكردية إلى جانب العرب السنة بدافع مذهبي يتجاهل الانتماء العرقي، مما يعني أن العنصرين الأساسيين في هذه المرحلة هما العرب والأكراد السنة من جهة، والعرب والأكراد الشيعة من الجهة الأخرى، وهذا قد يدفع أبناء القومية التركمانية إلى الزج بأنفسهم مع هذه الجهة أو تلك، على أساس عرقي أو مذهبي ووفق مقتضيات مصلحتهم القومية.
من الحقائق التي غابت عن بال العراقيين، أو غيبّت طيلة أكثر من نصف قرن من الزمان هرباً من الواقع الصحيح، هي أن العراق بلد متعدد الأعراق والديانات والمذاهب، وهذا التعدد كان ممكناً جداً أن يستثمر لصالح الوحدة الوطنية، والدفاع عن الوطن والتصدي بيد واحدة لكل أنواع العدوان أو الغزو الخارجي، غير أن بعض الممارسات للأنظمة المتعاقبة والسياسات الفئوية منها أو العشائرية، قد تم تفسيرها على أساس الدوافع العرقية أو المذهبية ، وهو تفسير بعيد عن الواقع ، ورغم هذا فان هذه المفاهيم قد هيأت أرضية صالحة استغلت من قبل إدارة المشروع الصهيوني والمساندين لها من بعض العراقيين في إنجاز عملية التغيير بأيد أجنبية ،والغريب في الأمر أن فئات وقطاعات واسعة من الشعب أبدت تعاونا مع المحتل ومساندة له بعد أن تم استغلال تلك المفاهيم في خداعها من قبل قياداتها وزعاماتها السياسية أو الدينية المسيسة والتي على ما يبدو تحوز ثقة هذه الفئات والقطاعات.
إن ّ تقدم الزمن لم ولن يكون في صالح تلك القيادات أو الزعامات، إذ إن هناك من الدلائل ما يشير إلى أن هذه القطاعات بدأت تدرك أن تلك الثقة لم تكن في محلها الصحيح، خاصة بعد أن شاهدت هذه الفئات ممارسات وانتهاكات قوات الاحتلال ضد فئات الشعب من المذاهب والأعراق الأخرى، وكذلك جر جيوش الأحزاب والتنظيمات المسلحّة الوافدة إلى مساندة قوات الاحتلال في عملياتها ضد العراقيين من مذاهب وأعراق أخرى، أو حتى من المذهب أو العرق نفسه، طالما أن هؤلاء يتبنون موقفا مناهضا للاحتلال ومشروعه، مما أدى إلى حالة من تراجع ثقة تلك الفئات بقياداتها وزعاماتها، وأخذت حالة التراجع هذه تزيد من هوة الافتراق بدلاً من تجسيرها، ومع ذلك ما زالت تلك الزعامات تعمل على النهج نفسه في عملية الخداع بأساليب وأطروحات جديدة ومتجددة، وهي تدرك صعوبة إقناع الأتباع بها، إذ لم تعد تكفي مجرد الخطابات والتصريحات، بل إن تلك الفئات التابعة بدأت تطالب بأدلة وبراهين وأفعال ملموسة تثبت مصداقية زعاماتها في سعيها لتحقيق مصالح العراقيين الوطنية كما وعدت، وحيث فشلت تلك الزعامات في نهجها السابق، فهي أيضاً ستفشل في نهجها الحالي رغم أنها ابتدعت خطابا جديدا يعزّز ويقدس العرق أو المذهب، ويحاول إلغاء مبدأ التمسك بالولاء للوطن والانتماء للأمة من عقول الأتباع، وتزييف فهمهم للإسلام ودوره الحقيقي، وللعروبة وحيوية الانتماء إليها.
إن التداخل بين ما هو عرقي وما هو مذهبي، وبين ما هو عرقي مذهبي داخل العرق الواحد، وما هو مذهبي عرقي داخل المذهب الواحد، يجعل الأمر في غاية التعقيد والخطورة من حيث إمكانية تطوره بصورة متسارعة يصعب التنبؤ باتجاهاته ومساراته الراهنة والمستقبلية، وليس بعيداً عن التصديق، وجود جهات إقليمية لها مصالحها في العراق ومخاوفها أيضاً، قد تدخل طوعاً أو اضطراراً في خضم الصراع مع هذا الطرف أو ذاك بدافع مذهبي أحياناً أو عرقي في أحيان أخرى، بسبب صعوبة الفرز داخل العرق الواحد والمذهب الواحد أيضاً، مما يعني في النهاية أن حالة من الفوضى قد تعم المنطقة ككل، وهذا ما تطمح إدارة المشروع الصهيوني في الوصول إليه وتحقيقه كإنجاز متقدم وكثمرة من ثمرات العولمة وما يدور في ذهن المحافظين الجدد، وحلمهم في أن يروا العالم متأمركا، وأن تتم عملية إنتاج هيكلة جديدة لجغرافية العالم انطلاقا من العراق مبنية على أسس إلغاء الدول القائمة حالياً، وبنائها من جديد على أسس جغرافية قومية أو جغرافية طائفية فيما لو سجلوا عجزاً أو صعوبة في تحقيق حلمهم الأول في صناعة حكومات لا تملك جغرافية محددة لسلطاتها، بل ستكون إدارة هذه الحكومات أشبه ما تكون بإدارة الشركات الربحية العملاقة، أي بكلام آخر، إن هذه الحكومات هي حكومات ( اللادول ) كما تريد إدارة المشروع الصهيوني أن يكون عليه العالم مستقبلاً بعد نجاح هدفها في عولمة النمط الأمريكي، وكل هذه الاحتمالات واردة بل مطلوب تحقيقها في فكر وعقل هذه الإدارة، بدءاً بتفتيت العراق كمرحلة أولى، ومن ثم الانتقال إلى أقطار عربية أخرى وإقليمية كمرحلة لاحقة قد تتطور خلال العقود الخمسة المقبلة لتعم العالم كله، أو الاكتفاء بما يسمى بمنطقة ( الشرق الأوسط الكبير ) كحدود جغرافية ترضي القائمين على إدارة المشروع الصهيوني راهناً.
لقد راهنت إدارة المشروع الصهيوني على اختراق نسيج الوحدة الوطنية للشعب العراقي، غير انه على ما يبدو، لم تتمكن هذه الإدارة من تحقيق هدفها حتى الآن في خلق حالة من الاقتتال الأهلي الداخلي العرقي أو المذهبي رغم مرور أكثر من عامين ونصف على انتكاسة بغداد، لذا يتطلب الأمر من العراقيين الانتباه وتضييع الفرصة على إدارة المشروع في ضرب الوحدة الوطنية التي تشكل أهم مرتكزات استقلال العراق وسيادته حاضرا ومستقبلا، رغم أنّ أولئك المدافعين عن المشروع يرددون في خطابهم الإعلامي حديثا عن الوحدة الوطنية وعن ضرورة تجنب الفتنة، وهم لا يقصدون ما يقولون في دعواتهم إذا قيست بمقياس تطابق قناعاتهم مع قناعات إدارة المشروع، حيث أن مجرد هذه الدعوات تعني أنّ هناك بذورا واضحة تهيئ لعملية خلق تلك الحالة ، وسعيا جادا من قبلهم في العمل على وقوع الفتنة، وعليه فانه لا يمكن للعراقيين أن يواصلوا هروبهم إلى أمام بتجاهلهم لهذه المعطيات، بل عليهم أن يدركوا أن هناك مخططا ما يسعى في هذا الاتجاه، وان هناك سعيا خفيا يدور في عقول تلك الزعامات والقيادات الدينية والسياسية الموكلة بالأمر كأدوات منفذة تبحث عن مكاسب آنية ومصالح ضيقة.
إن المواطن العراقي، وكأي إنسان يعيش على سطح الأرض، يحمل وعيا وطنيا وإيمانا يتطور من مرحلة زمنية معينة إلى مراحل لاحقة أخرى، قادرة على تخطي حالة الوعي الوطني إلى حالة الوعي القومي باطمئنان المواطن إلى سلامة تلك الحالة وثباتها ، وقدرتها على الانتقال إلى مراحل أكثر تطورا في وعيه كجزء فاعل ونشيط ومساهم في تكوين وتكامل هذا الوعي الوطني والقومي كنتيجة مباشرة لهذه الانتقالات، فيما يتزامن تقدمه بخطوات واثقة نحو وعيه الديني الذي يتميز بالفطرية والتلقائية، وبالتالي فهو لا يحتاج إلى مزيد من الجهد لتكريس تلك القناعات الموجودة أصلا.
إن ثالوث الوعي الوارد ذكره أنفا، وعبر التاريخ الحديث والمعاصر، برز بوضوح كمكون كلي واحد، يترابط جدليا وتكامليا وتزامنياً، بحيث إن أي خلل أو تآكل في جزء منه ينعكس سلبا على الأجزاء الأخرى، لذلك يحاول المحتل تقويض أحد أعمدة هذا الثالوث، عن طريق الجزء الأضعف حسب تصوره، وحيث يتحقق لـه هذا، فإنه يكون قد نجح في تهشيم أحد جدران وعي الشعب العراقي بثوابته الوطنية ومسلماته التاريخية، ويكون أيضاً قد عرض الوحدة الوطنية إلى خطر الزوال أو استبدال قناعات الشعب العراقي وتزييّفها، ثم ولوجه في نفق الاقتتال الأهلي بحجج واهية، كاختلاف العقائد أو تناقض المصالح بين مكونات المجتمع، وأيضا كنتيجة للسعي الجاد من دوائر وارتباطات تعمل في هذا الاتجاه بالتعاون مع اتجاهات وقوى عراقية لعرقلة أية خطوات تهدف إلى تفعيل وسائل التقريب، وإجهاض خطوات المناهضين للمشروعين الصهيوني والشعوبي الصفوي الرامية إلى استنباط الحلول الكفيلة بتجاوز هذه المخاطر القاتلة، وإفشال إرادة القوى الوافدة مع الاحتلال الساعية إلى تنشيط عوامل الاختلاف وتضخيمها فكريا أو عمليا إلى الدرجة التي يبدو فيها، أن مجرد العمل على عدم الأخذ بهذه العوامل أو العمل بالاتجاه المضاد لها، أشبه ما تكون بعملية مناطحة الصخور بقرون من طين ، وبالتالي اتجاه العراقيين وتسليمهم مرغمين بترك الأمر لإدارة المشروع وأدواته أو للأقدار وفعلها.
وعليه فإن على العراقيين الحريصين على مصالحهم وثوابتهم الوطنية، مسلمين أو مسيحيين، سنة أو شيعة، عربا أو أكرادا أو غيرهم، أن يتسامحوا في بعض التجاوزات من هذا الطرف أو ذاك ، وان يلجؤوا إلى من عرف عنهم التزامهم العقلاني وحكمتهم وترويهم وتجردهم من رؤية الأمور بمنظار مذهبي أو عرقي، وكذلك إلى من عرف عنهم حرصهم على وحدة العراق الوطنية وعروبته وإسلامه، لان مجرد عدم التسامح في موضوع جانبي قد يتطور إلى ما لا تحمد عقباه، ولتجنب ذلك يتوجب على العراقيين التسامي فوق مثل هذه الاختلالات، والتعامل معها بصدر رحب وأفق واسع ورؤى بعيدة، كما عليهم أن يدركوا أن المخطط المرسوم مرعب جدا أن لم يحسنوا الالتفات إلى ذواتهم، وتحصين أنفسهم وتنمية وعيهم الوطني والقومي والديني، وتعزيز إدراكهم لحقيقة ما يتهددهم من مخاطر تستهدف وجودهم ومستقبلهم.
07/02/2005 |