|
تدمير الحضاري الشامل *
يقول د.ايرفينج فينكل من المتحف البريطاني:
إن عملية النهب والسرقة لآثار وحضارة العراق كانت متوقعة تماماً.. وكان يمكن إيقافها بسهولة. لقد كان متحف بغداد ضحية هجوم مخطط ومنظم بعناية فائقة .. فقد سرق اللصوص أغلب التحف والآثار الثمينة وكانوا مجهزين بمعدات لرفع أثقل الآثار التي لا يستطيع موظفو متحف بغداد أنفسهم رفعها! وأكثر من ذلك .. كانت معهم مفاتيح السراديب والأقبية التي تم تخزين أهم وأندر الآثار فيها.. ويبدو أن اللصوص كانوا ينتظرون سقوط بغداد لتنفيذ جريمتهم!
ويقول البروفيسور جيل ستاين-أستاذ الآثار بجامعة شيكاغو التي قامت بحفريات أثرية في العراق على مدى الثمانين عاما الماضية: لقد طلب تجار الآثار من هؤلاء اللصوص اقتناص وسرقة أهم القطع الأثرية منذ فترة (ربما قبل غزو العراق) .. وكان هؤلاء اللصوص يعلمون أهدافهم بدقة .. ويعرفون مواقعها تماما!
لذا فإن ما حدث في العراق من تدمير (حضاري شامل) هو نتاج مشروع مخطط وطويل المدى لاستنزاف الكنوز الأثرية المكشوفة. ومسؤولية تلك الجريمة -جريمة القرن- تقع على عاتق قوات الاحتلال الأمريكية-البريطانية التي رفضت توفير الحماية اللازمة-والواجبة قانونيا لتلك الكنوز النادرة .. رغم التحذيرات المتكررة والمبكرة منذ شهور عديدة من احتمال حدوث هذه الجريمة المنظمة.
170 ألف قطعة أثرية
خلال عملية التدمير الحضاري الشامل للعراق .. تعرضت أكثر من 170 ألف قطعة أثرية للسرقة والنهب أو التدمير وانطلق اللصوص أعضاء مافيا الآثار التي تتشابك فيها الأبعاد السياسية والتاريخية والثقافية المعقدة-انطلقوا نحو الأسواق السوداء.. يعرضونها على المتاحف (بشكل سري طبعا) وهواة اقتناء تلك النوعيات الأثرية النادرة-سواء بهدف التجارة أو تقديرا لقيمتها التاريخية-ولم تفلح كل الجهود والقيود في منع تسريبها بسرعة البرق من العراق!
وسط هذا الفيض الهائل من الآثار العراقية المهربة .. ومع جهل البعض لقيمتها الكبيرة .. بيعت بعض الآثار بثمن بخس .. فها هي فازة سومرية تعرض للبيع ب 24 دولارا فقط! وبيع رأس سهم برونزي مصنوع قبل 200 عام مقابل 14 دولار فقط. وعرضت لوحة تحمل حروف الكتابة المسمارية (الآشورية والبابلية) وهي لوثيقة مقايضة أغنام أو نبيذ بسعر 1,25 دولارا!! وساهمت شبكة الانترنت في الإسراع بالترويج لآثار العراق المنهوبة .. حيث عرضتها الكثير من المواقع للبيع .. بما فيها موقع eBay الشهير!
ولايمكن اتهام العراقيين بسرقة تلك الآثار التي لا تقدر بثمن .. فهم يعشقون حضارة بلادهم التي تروي تاريخ البشرية جمعاء .. وليس العراق وحده .. وإذ كان خبراء الآثار وعشاق الحضارة يؤكدون بان ما حدث في العراق لم يفعله النازيون عند غزوهم الدول الأوروبية .. فإن خبير الآثار الأمريكي بول ريمانكسي قال: إن النكبة الأثرية والحضارية في العراق تفوق حرق مكتبة الإسكندرية.
فما حدث لتلك الحضارة العريقة أشد خطرا وضراوة. وقد تأكد إن تدمير ونهب متحف بغداد لم يكن عملية عشوائية أو تلقائية... بل إنه- كما يؤكد ريمانكسي-عملية مخططة جيدا قبل الغزو الأمريكي.
ويقول مسؤولو الشرطة الدولية (الانتربول) ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) إن القطع الثمينة تم التخطيط لسرقتها بإحكام بالغ وذهبت إلى مافيا الآثار في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان.
كما يشرح مكجوير جيبسون رئيس الرابطة الأمريكية للأبحاث في بغداد تلك الجريمة قائلا: لقد تم فتح السراديب والأقبية السرية التي تحفظ فيها أهم وأغلى القطع الأثرية العراقية. تم فتحها بالمفاتيح .. ولصوص الشوارع العاديون ليست لديهم تلك المفاتيح!! لذا فقد كانت عملية سلب ونهب أثار المتحف العراقي عملية منظمة ومبرمجة على أعلى مستوى.. وأشعر أنه قد تم ترتيبها خارج العراق.
جريمة منظمة
ويقول شهود العيان إنهم رأوا رجالا يحملون أجهزة اتصال لاسلكية تعمل في إطار شبكة مترابطة. وكانوا يقومون بنهب الآثار المنهوبة في شاحنات بطريقة متقنة وبعناية فائقة. ويقول كارل هاينز أحد ضباط الانتربول المختصين في مكافحة تهريب الآثار: لقد وصلتنا تقارير عن عرض تلك الآثار النادرة في أسواق سويسرا واليابان .. ورغم الحرب والضرب.. تم نقل تلك الآثار بسرعة غريبة .. لا يصدقها العقل!!
أما د.اونيل برودي من مركز أبحاث الآثار المحظورة التابع لجامعة كمبريدج البريطانية فيؤكد إن المنظمات الثقافية والأثرية قد حذرت من احتمال وقوع تلك الكارثة قبل الحرب بشهور طويلة .. ولكن لم يستمع إلينا أحد!!
ولم تقتصر الكارثة على متحف بغداد .. بل تعدتها إلى كل المتاحف والمناطق الأثرية العراقية المفتوحة .. ومن بينها متحف قصر (نبوخذ نصر) .. حيث توجد حدائق بابل المعلقة.. إحدى عجائب العالم القديم .. وهناك قام اللصوص بتحطيم حائط مصنوع من القرميد وسرقوا التماثيل والفازات النادرة .. وكذلك نهبوا رفات وأغطية الملوك البابليين القدماء.. كما سرقوا كل ما هو موجود بقاعات العرض وجردوها من محتوياتها تماما.. وتناثر حطام بقايا الآثار على أرضيات المتحف. ويؤكد الخبراء إن متحف (نبوخذ نصر) من أعظم المواقع الأثرية في العالم ولا يمكن للعراقيين البسطاء أن يرتكبوا تلك الجريمة. بل إن من قاموا بها لا يحترمون هذا الإرث الحضاري العظيم ولا يكترثون بماضي العراق .. أو حاضره .. ومستقبله. مع العلم أن تلك الحضارة العريقة تعود إلى ما يزيد عن 10 آلاف عام.
ويؤكد دوني جورج مدير المتحف القومي للآثار في بغداد: أن ما حدث في متاحف العراق يمثل جريمة القرن لأنه يمس تراث البشرية بأسرها. كما أكد 30 خبيراً ضمهم اجتماع اليونسكو مؤخراً أن من بين القطع الأثرية العراقية المنهوبة 80 ألف لوحة بالكتابة المسمارية تسجل واحداً من أقدم عصور الكتابة في التاريخ.. إضافة إلى اختفاء قطع نادرة أخرى من بينها فازة سومرية مصنوعة من الألباستر عمرها 5 آلاف عام.
وبعض القطع الأثرية تعود إلى 10 آلاف عام .. مع بدء بزوغ أقدم الحضارات. ومنها قيثارة فضية تمت سرقتها من مدينة (أور) القديمة وتمثال للملك الأكادي السامي (أور-نامو) عمره 4 آلاف عام.
وخلال اجتماع اليونسكو.. أكد الياباني كويشيروا ماتسورا ضرورة إنشاء (شرطة للتراث) في العراق لحماية كنوزه الأثرية والحضارية ..
كما أنه أعلن عن إنشاء صندوق خاص لتمويل برنامج حماية التراث الثقافي العراقي .. تشارك فيه مصر وايطاليا وفرنسا وألمانيا .. إضافة إلى بعض الدول والمنظمات الدولية.
كما دعا ماتسورا إلى إصدار تشريع دولي يحظر استيراد الآثار العراقية المسروقة .. وطالب بإعداد قاعدة بيانات لكل تلك الآثار وتوفيرها لأجهزة الجمارك والشرطة والمتاحف في جميع أنحاء العالم.
وإذا كانت اليونسكو قد أكدت مسؤولية قوات الاحتلال عن حماية كنوز العراق الأثرية والحضارية وفقا لاتفاقية 1954 .. فإن الضرر الشامل والفادح الذي حدث على أرض الواقع لن تعوضه أية نداءات أو بيانات .. ولا يبقى سوى معاقبة مدمري الحضارات.
________________________________
نقلا عن مجلة أكتوبر العدد 1383-الأحد 27 (نيسان) 2003. |