مجلة نوافذ الثقافية
تصدر عن المنتدى الثقافي العراقي في دمشق
التراث الشعبي / صناعاتنا الشعبية

 

صناعاتنا الشعبية بين الحرفية والإتقان

صباح الخالدي

يعد سوق الصفارين الاكثر شيوعا و شهرة واهمية بالنسبة لما يصنع فيه من نمادة (النحاس) من الاواني المنزلية وما تتطلبها حاجة الانسان انذاك، الا ان حركة وايقاع الحياة اليومية للعراقيين ودخول صناعات حديثة متطورة و متنوعة سدت حاجات ومتطلبات البيت العراقي دعلت من انتاج (سوق الصفارين) اقل اهمية بحيث تحولت تلك الأواني النحاسية التي كان الاغنياء يتسابقون في اقتنائها في دورهم الى مقتنيات تراثية توضع في اركان بيوت على شكل كماليات فلكلورية، وتحولت صناعة النحاس من هدف اقتصادي الى نوع من الفنون تدرس في المعاهد العراقية تحت تسمية (الطرق على المعادن).

وظل سوق (الصفارين) في وسط شارع الرشيد في بغداد محافظا على صفاته التراثية ويرجع تاريخ بناء هذا السوق الى زمن الخليفة العباس المستنصر بالله عندما بنى المدرسة المستنصرية كما بنى مع المدرسة اسواقا اخرى منها (الوراقين) المسمى حاليا (سوق السراي) وسوق (الخفافين) وسوق البزازين والقزازين والعطارين المعروف عند اهل بغداد (بالشورجة) وهناك اسواق اخرى (السمانة) او كما يحلو للبعض تسميته (الدهانة) وان كل تلك الاسوقا بنيت على اساس حرف العاملين فيها.

وذكر بعض المؤرخين بصدد سوق (الصفارين) انه انشئ على اساس ورشة للمدرسة المستنصرية لسد احتياجات مطابخ المدرسة من معدات وادوات خاصة بالطبخ وكان كل الذين يعملون في هذا السوق يسكنونه بالقرب منه.

 

مهنة الصفارة

انها مهنة تعود الى حوالي خمسة الاف عام حيث وجد الاثاريون في اثار (اوتاج) مصنوع من النحاس ومرصع بالاحجار الكريمة يعود الى الحضارة الاكدية اضافة الى العثور على اوان و كؤوس مصنوعة من النحاس ايضا...

واكد المؤرخون والاثاريون ان اكثر المواقع الاثرية في العراق في انحاء العالم كانت تحتوي على بعض المصنوعات النحاسية...

وكما لمهنة (الصفارة) رواد ومعجبون كانوا يقتنون هذه الصناعات (النحاسية) في حياتهم اليومية الا ان وقت مر على العراق ادى بعزوفهم عن استعمال العديد من المصنوعات النحاسية في المطابخ والبيوت لا سيما في عام 1953 حينها اصدرت وزارة الصحة العراقية قرارا حذرت فيه المواطنين من استخدام النحاسيات في الطبخ والاستخدامات الحياتية الاخرى كون النحاس يحتوي على مواد سامة .. الامر الذي جعل مادة الالمنيوم المعروفة (الفافون) تدخل في صناعة الادوات المنزلية التي شاعت بشكل ملفت للنظر فضلا عن مادة (استاينلس ستيل) الامر الذي جعل (النحاس) يتراجع الى الخلف ويستعمل فقط لصناعات قطع فنية للديكورات في المنازل.

ان ابرز استدلال لاقتراب الزائر من سوق الصفارين كان تلك الايقاعات لمطارق الحرفيين و صليل ادواتهم لعوام كان فيه الرخاء سائدا رغم التعب اللذيذ وتكالب السياح العرب والاجانب والعراقيين لاقتناء تلك المصنوعات...ويحكى ان في حفلات الزفاف ان العروس كانت تخير بين اجمل مقتنيات النحاسيات التي يضرب بها المثل حيث دخلت حتى في كلمات الاغاني العراقي عن (ابريق) الفضة (والكَلن) البغدادي من سوق السفارين.

ان الحرفيين في هذا السوق يواصلون عملهم بهمة ونشاط من اشراقة الشمس و حتى صلاة العصر من اجل تامين الطلبات الكثيرة قياسا بالعرض من قبل السياح العرب والأجانب الزائرين لهذا السوق التراثي العريق. فقد كانوا يبدون إعجابهم وهم يقتنون (الدلال) العربية بأشكالها المختلفة مع ملحقاتها (الصينية) وكم هو رائع المنظر المتكامل داخل الخيمة العربية المزينة بالدلال الصفراء للقهوة العربية....

ومع مرور الزمن انحسرت صناعة (النحاس) الشعبية مثلا كما الصناعات الشعبية الاخرى التي بدأت مواد مصنعة اخرى تنافسها يقتنيها الناس مع ان معدن (النحاس) فيها من خاصية اقتصادية تحسب له بحكم امكانية اذابته او صهره واعادة تصنيعه مجددا بالجودة والقوة ذاتها من غير ان يفقد شيئا من خصائصه بخلاف مادة البلاستك على سبيل المثال ولكن المستهلك اتجه الى ها المنافس (الحضاري) الجديد بحيث تحولت الاواني والادوات المنزلية في المطابخ الى مواد مصنعة من البلاستك وكلها عوامل منافسة فرضت سيطرتها على السوق وقانون العرض والطلب...

رغم ذلك يدافع اصحاب مهنة (الصفارة) عن سر مهنتهم بانها أي النحاس سلعة  معمرة دائمية و متى م تعرضت (للصدأ) بالامكان اعادتها الى الحيات و بنفس المواصفات أي انه رأس مال ثابت كالمعادن الثمينة وهي مميزة تفتقر اليها البلاستك.

وان من يقتني (قدرا) من النحاس لا يشتري غيره أي انه اقتصادي اكثر من غيره الا ان المشكلة ان العاملين في مجال (التبييض) غادروا سوق الصفاريين بشكل نهائي لان اسعار مادة (الجلبي) المستوردة عالية جدا وان المردود المالي لا يسد متطلبات العيش مما دفعهم الانتقال الى اعمال اخرى اكثر ربحأ ... ان العاملين في مجال النحاس هم فنانون بالضرورة ومبدعون وهم قلة قليلة لذا لابد من المحافظة على تلك المهنة...

ان سوق (الصفارين) يحكي قصة اناس اذابوا مع النحاس ايام اعمارهم في العراق ورسم صور من الجمالية بحيث تسر الناظرين وهكذا ان بغداد عاصمة وحاضرة الماضي وللحيث بقية في صناعة شعبية اخرى.

 
     
 

 

 
     
     


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية